اعتادت الشابة هدى بكير على التنزه في قرطاج، بالقرب من المواقع الأثرية. يتيح لها هذا الروتين اليومي في المدينة البونية العريقة فرصة للتأمل. وبينما كانت لا تزال في الثلاثينيات من عمرها، منشغلة بحسابات ومعادلات أطروحتها في مجال تجزئة البيانات الطبية، خطرت لها فكرة "هيستوريار" عندما شاهدت المرشدين السياحيين يكافحون "بإيماءات مبالغ فيها" لمساعدة السياح على تخيل كيف كانت تبدو المدينة الرومانية العريقة خارج أطلالها.
ثم تخيلت الشابة الخطوط العريضة لشركة ناشئة تستخدم الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي لإعادة بناء المواقع الأثرية وخلق تجارب غامرة. "بدأت الفكرة تتشكل تدريجيًا، ثم في عام 2016، بدأت أنا وصديقي، جهاد مكني، الذي كان يعمل في مجال السياحة المستدامة والتقنيات الحديثة، بتطوير المفهوم"، توضح رائدة الأعمال التي التقينا بها في مكاتب "أورانج فاب" في تونس، حيث يقع مقر شركتها.
"تغيير العالم من خلال خوارزميات مفيدة"
بعد ثماني سنوات من حصولها على شهادة الدكتوراه، وبشعرها القصير وحقيبة ظهرها، أصبحت هدى بكير واحدة من أنجح رائدات الأعمال في القارة الأفريقية. نشأت هدى بكير في جيلٍ تربى على أفلام "ذا ماتريكس"، وحلمت في مراهقتها بـ"تغيير العالم"، ليس فقط من خلال "ابتكار خوارزميات مفيدة"، بل من خلال تخيّل مستقبلٍ بائسٍ تسيطر فيه الروبوتات والذكاء الاصطناعي على البشرية. انغمست في قراءة الموسوعات منذ صغرها، وبتشجيعٍ من والديها على مواصلة دراستها، اختارت شهادة البكالوريا التقنية بدلاً من العلوم، حيث برعت.
في الجامعة، اختارت الحوسبة الصناعية بدلاً من الهندسة الميكانيكية نظراً للتركيز الكبير على الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية. "كان والداي من الجيل الأول الذي تلى الاستقلال، وقد فرض آباؤهما عليهما خياراتهما التعليمية ومساراتهما المهنية. أما أنا، فكان الأمر مختلفًا تمامًا؛ فقد تمكنت من إعطاء الأولوية للإبداع والابتكار طوال مسيرتي الدراسية"، توضح هدى، التي تجنبت الزواج أيضًا لمجرد التوافق الاجتماعي في مجتمع لا يزال محافظًا. وتؤكد هذه المرأة المجتهدة: "أفضل الانتظار حتى ألتقي بشخص أحبه حقًا".
قبل تأسيسها لشركة Historiar عام ٢٠١٩، خاضت تجارب عديدة وواجهت عقبات. شركتها الأولى، Grace Light، التي أسستها مع شقيقها عام ٢٠١٤، تخصصت في تقنيات جديدة لأتمتة المنازل. كانت الشركة تعيد تدوير العلب المعدنية لصنع سخانات هواء، كما واجهت تحديات قانونية. تشرح قائلة: "تعلمت الكثير من هذه التجربة الأولى؛ لم تكن هناك قوانين مُلائمة للمنتجات الصديقة للبيئة، ولم يكن لدى بيئة الشركات الناشئة إطار قانوني واضح، لذا كان الأمر صعبًا".
مؤسسة شركات ناشئة متمرسة
ثم انتقلت إلى مجال التمويل في شركة ناشئة تابعة لشركة ألمانية، قبل انضمامها إلى Datavora، وهي شركة تونسية ناشئة متخصصة في البيانات الضخمة، حيث عملت كمهندسة ذكاء اصطناعي في قسم البحث والتطوير. تُطبّق ما تعلمته خلال دراستها: تحسين العمليات وأتمتتها باستخدام الذكاء الاصطناعي لتوفير وقت العمل وإجراء التنبؤات، وخاصةً للبقاء في طليعة المنافسة. ثم أسست Super Viz، وهي شركة ناشئة تُقدّم خدمات أتمتة الإجراءات داخل الشركات. أتاحت لها هذه التجربة تأسيس شركة Historiar وإطلاق هذا المشروع الجديد رسميًا في عام ٢٠١٩. وتوضح قائلة: "ليس الأمر سهلًا أبدًا على رواد الأعمال، خاصةً في بلدٍ شحيح التمويل، لأنك نادرًا ما تحقق ربحًا في السنة الأولى وأنت تحاول ابتكار منتج جديد".
أرى الذكاء الاصطناعي وسيلةً لتغيير هيكلية العمل، وليس بالضرورة تهديدًا.
تشهد الشركة اليوم نموًا سريعًا. فبعد ابتكار تجارب تفاعلية حول المواقع الأثرية التونسية - دقة، قرطاج، بوبوت في الحمامات، سبيطلة، الجم، ومنينكس في جربة جنوبًا - تتطلع الشركة إلى التوسع في أوروبا. وقد بدأت Historiar بالفعل العمل مع مواقع في إيطاليا وفرنسا والبرتغال وتركيا، مقدمةً عمليةً آليةً تُنشئ تجربةً تفاعليةً في غضون أسابيع، بينما كان التطوير يستغرق شهورًا في السابق.
"إنّ أداء هذه الأتمتة هو ما يُمكّننا من المنافسة. كما نستخدم الذكاء الاصطناعي في تجربة التفاعل الغامرة؛ فعلى سبيل المثال، تمّت ترجمة صوت زميلتي إلى جميع اللغات للوصف الصوتي"، توضح هدى بكير، التي تُنظّم العديد من الجولات السياحية للمواقع الأثرية في تونس باستخدام نظارات الواقع الافتراضي أو تطبيق الواقع المعزز على الهواتف الذكية. وتضيف الشابة، التي تعمل أيضاً مع وكالة تعزيز التراث والترويج الثقافي، بالإضافة إلى المؤرخين وعلماء الآثار، أن الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن يحلّ محلّ مصممي النماذج ثلاثية الأبعاد، يُحسّن العمل اليدوي لإعادة بناء المواقع لضمان أن تكون التجربة أصيلة ومطابقة للواقع التاريخي قدر الإمكان.
